العدد الحالي

مجلد 26 عدد 38 (2026): دَلََالَةُ الخِطَابِ، وَحُجِّيَّتُهُ
					معاينة مجلد 26 عدد 38 (2026): دَلََالَةُ الخِطَابِ، وَحُجِّيَّتُهُ

تسليم: حبل التراث الموصَل بالمعاصرة

   تسليم ليست مجرَّد مجلَّة تراثيَّة، هي مشروع معرفيّ يتحرك نحو المستقبل، ويضيء بتعامله مع النصوص لا كمأثورات ساكنة، إنما بنى قابلة لإعادة الاكتشاف من خلال النقد والتأويل الخلّاق.

  وتمضي لتكون فضاءً معرفيًّا يخاطب العقل العربيّ الباحث عن جدوى الخطاب وصدقيّة المقاصد؛ انطلاقًا من رؤيةٍ تؤمن بأنّ الفعل الثقافي يُبنى بأدوات علميّة رصينة؛ ولذلك تحتضن الأبحاث الأكاديميّة بروحها العلميّة التي تمزج بين الأصالة والصرامة المنهجية، فضلًا عن أنّها تتطلع إلى حوارٍ معرفيّ يتجاوز الحدود الضيّقة للتخصص، هادفةً نحو أفق الاجتهاد الحضاريّ ورؤيته الراكزة نحو مبتغيات المعرفة واشتراطاتها.

  ولعل تلك الرؤية ترتكز على "اللغة العربيّة" بوصفها العطاء الذي يفرز أكثر من وسيلة تعبير؛ كونها كينونة حضاريّة، ومركزًا لتشكّل الوعي، ومختبرًا للهوية، ونافذةً لفهم الذات والعالم؛ لذا كان كانت الرؤية تتعالق بمصداقٍ حيّ نابض مع منهاج لغتنا ومشروعها الذي يُعدّ منبرًا حيًّا ينبض بالفكر، ويحمل الذاكرة، ويحقّق فعل الانتماء، وينفتح على تعدُّدِ القراءةِ.

  ومن إشراقات ذلك وفيوضاته أنّ مجلة "تسليم" تستقطب أقلام الباحثين الذين يمزجون التأصيل بالنقد، ويؤمنون بأنّ التراث ليس قيدًا للوعي، بل هو شرط لتجدّده؛ وبذا فهي تحفل بنبض ذلك الوعي، وتحتفي بالبحث العلمي المحكّم ومنهاجه وصولًا إلى دلالاته ونتائجه، وتبتعد عن التقريريَّة، لتفتح بابًا لمعارف أوسع أمام دراسات تُبنى على الأسئلة، وتخاطب الحاضر، وتُعيد للمعنى قيمته؛ مرتكزةً على رؤيةٍ أساسها الفكر المتين.

  ومن مصاديق اختياراتها لمحاور متعدّدة تجمع في مرجعيتها المعرفيّة تنوّعًا ينطلق من القرآن الكريم بوصفه نصًا مفتوحًا على المعنى، ومنه نحو السيرة النبوية وفكرها المعطاء إلى سِيَر الأئمة الأطهار عليهم السلام بوصفها تمثّلات حيّة للفكر؛ لذا فهي لا تهدف إلى استعراض معرفيّ أو تراكم وثائقيّ، بل تسعى إلى لحظة وعي ابستمولوجي يُعاد فيها النظر إلى التراث من جديد، وتُستثمر فيها اللغة مجالًا لإنتاج الفهم، وتُقدَّم بمنهج يستقرئ التجربة، ويُعيد طرح الأسئلة حول المعنى والسياق وإمكانات التجدُّد.

   ولا يخفى ما توليه المجلة من عنايةٍ خاصة بلغة الخطاب، منطلقةً من إيمانٍ أنّ اللغة تُشكّل الوعي، وتُوجّه الحس الجمعي، وأنّ إصلاح اللسان هو مدخلٌ لإصلاح الفكر.

    وعلى وفق ما تمَّ ذكره فإنّ "تسليم" بعد كلِّ هذا، لا تُغلِق القول عند سور التراث بل تُعيد فتحه، لا تُنهي الأسئلة بل تُعيد ترتيبها من جديد؛ وهي ليست عددًا يُطوى، أو يُختَزَن على رفٍّ، بل هي لحظةٌ تُستأنف، فللقلم مِساحةٌ، وللباحث صوتٌ، وللمعنى متَّسعٌ، ما دامت الفكرة تُكتب لا بوهم اليقين، بل بجرأة السّؤال.

 

 

أ.د. سعيد حميد كاظم           
مدير التحرير

منشور: 2026-06-30

إصدار كامل

Articles

معاينة جميع الأعداد

وهي مجلة فصلية محكمة مختصة بعلوم اللغة العربية وآدابها ومعتمدة للنشر والترقيات العلميّة، تصدر عن مركز العميد الدولي للبحوث والدراسات التابع لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة.
يحيل لفظ (تسليم) إلى مطمح البحث العلمي في المحصل القرائي النهائي؛ الذي يراد له أن يحظى بدرجة من درجات التسليم والقناعة والتجاوب، وهذه الجنبة تتواءم مع كونها مجلة متخصصة بالبحث المحكم والجنبة الثانية هي إحالته إلى صفة من صفات المولى أبي الفضل العباس (عليه السلام)، في المأثور عن زيارة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، له، ومنها: (أشهد لك بالتسليم والوفاء والنصيحة)، وقد أريد لاسم المجلة هذه أن ينتمي أو ينتهي بالعتبة العباسية المقدّسة، وتحديدا إلى مشرّفها