العدد الحالي

مجلد 25 عدد 37 (2026): فِعْلُ القِرَاءَةِ مِنَ البِنْيَةِ الدَّاخِلِيَّةِ إلَى الأَنْسَاقِ الخَارِجِيَّةِ
					معاينة مجلد 25 عدد 37 (2026): فِعْلُ القِرَاءَةِ مِنَ البِنْيَةِ الدَّاخِلِيَّةِ إلَى الأَنْسَاقِ الخَارِجِيَّةِ

عُمْقُ الخِطَابِ وَثَرَاؤهُ وَرَاءَ تَعَدُّدِ قِرَاءَاتِهِ

     خطابُ أهل البيت (عليهم السلام) تلا في أهمِّيَّته (كتاب الله العزيز، والحديث النبويَّ الشريفَ)؛ إذ نطق بروحهما،  وجاء ترجمانًا لهما، مستنًّا بهديهما، سائرًا على النهج ذاته؛ لذلك سجَّل في المدوَّنة الإسلاميَّة ما هو أهله من الرعاية، وتلقَّاه المسلمون باهتمام؛ ذلك أنَّ حديثهم حلقة متَّصلة بحديث سيِّد الكائنات النبيِّ محمَّد صلوات ربِّي وسلامه عليه، وما حديثه إلَّا وحيٌ يُوحى من عند الله سبحانه وتعالى؛ فالمرجع واحد؛ إذ قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (( حَدِيثِي حَدِيثُ أَبِي، وَ حَدِيثُ أَبِي حَدِيثُ جَدِّي، وَ حَدِيثُ جَدِّي حَدِيثُ الْحُسَيْنِ، وَ حَدِيثُ الْحُسَيْنِ حَدِيثُ الْحَسَنِ، وَ حَدِيثُ الْحَسَنِ حَدِيثُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليهم السلام، وَ حَدِيثُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه و آله، وَ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ )).

   وفضلًا عن أهمِّيًَّة خطاب أهل البيت عليهم السلام في حفظ أصول الدين من التحريف، وكونه أصبح محورًا لوحدتهم، و شكَّل نقطة التقاء وإجماع بين المسلمين كافَّة، فقد عُدَّ جذرا حيًّا ومصدرًا لمكارم الأخلاق، وترسيخ قيم الإيمان ومواجهة التحدّيات الفكريَّة، وحملات التزييف التي مارستها مختلف السلطات، فصار بكلِّ هذا، مرجعيَّة  في حفظ الدين الإسلاميِّ، وفهمه، وتطبيقه..

   لذلك يمَّم المسلمون وجوههم صوب هذا الإرث عن أهل البيت عليهم السلام، ينهلون من علومهم التي هي امتدادٌ لعلم النبيِّ الأكرم، فهو مدينة العلم، وهم أبوابها؛ ومن أراد العلم فليأتِ البابَ...

    وكونه في صميم اهتمام المسلمين فقد قاربوه نقديًّا، تحليلًا وقراءةً، وبسبب تنوُّع ثقافاتهم، وتباين خلفيَّاتهم المعرفيَّة، وتعدُّد زوايا النظر لديهم؛  فقد أرونا تنوُّعًا في مناهج تلك المقاربات المنهجيَّة؛ فمنهم من اتَّخذ المناهج اللُّغويَّة الحديثة سبيلًا لفهم بنيته اللُّغويَّة، وكشف بنية النَّصِّ وجماليَّاتها.. مركِّزين على العالم الداخلي له مقاربين بنياته الجماليَّة والدلاليَّة، باحثين عن العلاقات الباطنيَّة التي تتحكَّم فيه، كالتحليل اللُّغويِّ والبلاغيِّ؛ الذي يثري التجربة، ويعزِّز من قيمته عند متلقِّيه.

وقارب غيره بنيته بمعزل عن سياقاته الخارجيَّة ، وفي نظرٍ آخر؛ كالنظر السيمائيِّ للوصول إلى المعنى العميق المضمر والمسكوت عنه لبنيته؛ ولمقاربته وفق نسق إشاريٍّ ومن خلال رصد العلامات وغيرها، أو مقاربته بالتأويل، وفحص الدواخل والكوامن والتأثير على القارئ عبر جماليَّات التلقِّي؛ متعاملًا مع تحليل النَّصِّ بوصفه فعلًا قرائيًّا، متّخذًا لذلك منهجًا للقراءة والتأويل..

وبعضٌ منهم استرفد كلَّ ما يحيط بالنَّّصِّ من مؤثِّرات خارجيَّة، تحدِّد المسار العام لموضوعه، وتعبِّر عن حمولات ذات مرجعيَّات خارجيَّة، وعدّها في صميم اعتباراته النقديَّة، كالنظر النفسيِّ... 

وكان حصاد ذلك مجموعة قراءات، نقدِّم بعضًا منها في ملفّ عددنا هذا، علَّ فيها إضافة أصيلة، ورصانة في المنهج وتطبيقه، فكلٌّ منها اجتهد، ليقدِّم رؤية أو زاوية نظر باتِّجاهه، وأوَّل ما يحسب لهم أنَّهم حاولوا أن يوسِّعوا من نطاق التحليل فيه، ويقفوا على مدَّخراته، ويظهروا بعضها، ويوقفوا القارئ على جانب من ثرائه..

   ذلك الثراء الذي بسببه، وبسبب تعدُّد أبعاده، وخصوصيَّة تركيبه، فقد كثرت المناهج النقديَّة التي قاربته، في محاولات لفهم أدقّ بنياته ودلالاته واستكشاف جوانب ما زالت تحت الظلِّ، مقدِّرين عدم كفاية منهج واحد لمقاربة نصٍّ متعدِّد، واستيعاب كلِّ هباته؛ بمعنى أنَّ طبيعته أمْلتْ على قرائه ذلك، فهو مفتوح مؤثِّر..

وبعض التعدُّديَّة هذه سببها تعدُّد وظائف النصِّ الجماليَّة، والفكريَّة، والتشريعيَّة، والتوجيهيَّة، و.. وبعضها يعكس عمق الخطاب...

وهذه فاتحةُ دعوة إلى جميع الباحثين لمقاربته أكثر، لاستخراج ذخائره، فإنَّ فيه من الكنوز ما إنَّ مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوّة..

أ.د. عباس الدده الموسويّ

  رئيس التحرير     

منشور: 2026-03-31

إصدار كامل

Articles

معاينة جميع الأعداد

وهي مجلة فصلية محكمة مختصة بعلوم اللغة العربية وآدابها ومعتمدة للنشر والترقيات العلميّة، تصدر عن مركز العميد الدولي للبحوث والدراسات التابع لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة.
يحيل لفظ (تسليم) إلى مطمح البحث العلمي في المحصل القرائي النهائي؛ الذي يراد له أن يحظى بدرجة من درجات التسليم والقناعة والتجاوب، وهذه الجنبة تتواءم مع كونها مجلة متخصصة بالبحث المحكم والجنبة الثانية هي إحالته إلى صفة من صفات المولى أبي الفضل العباس (عليه السلام)، في المأثور عن زيارة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، له، ومنها: (أشهد لك بالتسليم والوفاء والنصيحة)، وقد أريد لاسم المجلة هذه أن ينتمي أو ينتهي بالعتبة العباسية المقدّسة، وتحديدا إلى مشرّفها